عبد الباقي مفتاح
58
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
وأنسب الأنبياء لحضرة الإذلال الحيواني هارون عليه السّلام . ولهذا اختص السبط الهاروني في بني إسرائيل بتقديم الأضاحي والقرابين . وأسكن اللّه روح هارون سماء المريخ الأحمر الخامسة المخصوصة بسفك الدماء وذبح الأضاحي والحروب والقتال وما ينجر عنهما من التسخير والإذلال . . . ولهذا أيضا نجد يحيى مترددا بين سماء عيسى روح اللّه وسماء هارون مذلل الحيوان لأن الحيوان من الحياة التي هي من خصائص الروح قال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ( العنكبوت ، 64 ) أي الحياة الحقيقية التي مظهرها الإنساني يحيى عليه السّلام . ولهذا كان هو الذي يذبح كبش الموت بين الجنة والنار عند نهاية يوم القيامة . ولهذه العلاقة الثلاثية ( عيسى - يحيى - هارون ) جاء في القرآن تسمية مريم ب أُخْتَ هارُونَ وقد ذكر الشيخ عيسى في هذا الفص . وأكد على الحيرة لأن الحيوان مفطور على الحيرة في معرفته باللّه كما ذكره الشيخ في الباب 357 من الفتوحات وهو باب منزل سورة النمل . وقد كان هارون متحققا كمال التحقق بقوله تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( المائدة ، 54 ) كما كان موسى متحققا بباقي الآية : أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ فكان هارون هينا لينا محببا لقومه لما في باطنه من عبودية وتواضع كالأرض التي قال الحق عنها : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ( الملك ، 15 ) يقول الشيخ في الباب 167 عن هارون : ( . . . حين أخذ موسى برأسه يجره إليه فأذاقه الذل بأخذه اللحية والناصية ( . . . ) لما ظهر عليه موسى بصفة القهر فلما كان لهارون ذلة الخلق ذوقا مع براءته مما أذل فيه تضاعفت الذلة عنده فناداه بالرحم . . . ) ولهذه المرتبة الحرف الرابع والعشرون في النفس وهو الذال . فانظر كيف وافق اسمه الإلهي المذل . وله من المنازل الفلكية : " سعد السعود " ولهذا ختم الشيخ كلامه في هذا الفصل من الفتوحات بقوله : ( فمن أقامه الحق من العارفين في مشاهدته وتجلى له فيه ومنه فلا يكون في عباد اللّه أسعد منه باللّه ولا أعلم منه بأسرار اللّه على الكشف ) . ولعلاقة هذا الفص بالحيوان تكررت فيه مشتقات كلمة " حيوان " نحو تسع مرات وكرر كلمة " تسخير " مرات كثيرة وذكر العجل وحيوانية الإنسان المتصرفة في حيوانية الحيوان والتحريش بين البهائم ، وأشار إلى الاسم المذل في قوله : " الحيوان انقاد مذللا " . - وأما وصف حكمة هذا الفص بالإمامية فلأن هارون كان الإمام الأول بعد موسى قطب بني إسرائيل فهو خليفته ووزيره وقد وردت في القرآن كلمة " إماما " أربع مرات منها مرتان متعلقتان بالتوراة في ( هود ، 11 ) و ( الأحقاف ، 12 ) : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً . كما وردت كلمة " أئمة " خمس مرات كلها أو أكثرها تتعلق ببني إسرائيل في حال